المقداد السيوري
10
كنز العرفان في فقه القرآن
لا دلالة على الابتداء بالمرفق ولا بالأصابع ، لأنّ الغاية قد تكون للغسل وقد تكون للمغسول وهو المراد هنا ، بل كلّ من الابتداء والدّخول مستفاد من بيان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فإنّه توضّأ وابتدأ بأعلى الوجه وبالمرفقين وأدخلهما ، وإلَّا لكان خلاف ذلك هو المتعيّن لأنّه قال صلَّى اللَّه عليه وآله : هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصّلوة إلَّا به ( 1 ) . أي بمثله فلا يكون الابتداء بالأعلى ( 2 ) وبالمرفقين وعدم دخولهما مجزيا بل يكون بدعه ، لكنّ الإجماع على خلافه . 5 - : « وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ » . قيل : الباء للتّبعيض ( 3 ) لأنّه الفارق بين مسحت بالمنديل ومسحت المنديل وقيل : زائدة لأنّ المسح متعدّ بنفسه ولذلك أنكر أهل العربيّة إفادة التبعيض . والتحقيق أنها تدل على تضمين الفعل معنى الالصاق ، فكأنه قال : ألصقوا المسح برؤوسكم وذلك لا يقتضي الاستيعاب ولا عدمه ، بخلاف : امسحوا رؤوسكم ، فإنه كقوله : « فاغسلوا وجوهكم » . ثم اختلف في القدر الواجب مسحه فقال أصحابنا : أقل ما يقع عليه اسم المسح أخذاً بالمتيقن ، ولنص أئمتهم عليهم السلام ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : ربع
--> ( 1 ) الوسائل ب 31 من أبواب الوضوء ح 11 . ( 2 ) يعني بأعلى الوجه . ( 3 ) ما أفاده المصنف - قده - من إفادة الباء التبعيض دقيق متين لا غبار عليه حقيق بالتلقي بالقبول ، الا ان ههنا كلاما لصاحب مجمع البحرين دقيقا مقرونا بالتحقيق ننقله بعين عبارته قال في مادة بعض : والباء للتبعيض قال في المصباح : ومعناه انها لاقتضى العموم فيكفي ان يقع ما يصدق عليه انه بعض ، واستدلوا عليه بقوله تعالى : « وامسحوا برؤوسكم » . وقالوا : الباء هنا للتبعيض على رأي الكوفيين ، ونص على مجيئها للتبعيض ابن قتيبة في أدب الكاتب وأبو علي الفارسي وابن جني ونقله الفارسي عن الأصمعي ، وقال ابن مالك في شرح التسهيل : وتأتي الباء موافقة من التبعيضية إلى أن قال : وذهب إلى مجئ الباء بمعنى التبعيض الشافعي وهو من أئمة اللسان . وقال بمقتضاه أحمد وأبو حنيفة حيث لم يوجبا التعميم بل اكتفى احمد بمسح الأكثر ، وأبو حنيفة بمسح الربع ولا معنى للتبعيض غير ذلك قال : وجعلها للتبعيض أولى من القول بزيادتها لأن لأصل عدم الزيادة ، ولا يلزم من الزيادة في موضع ثبوتها في كل موضع بل لا يجوز القول به إلا بدليل ، فدعوى الأصالة دعوى تأسيس وهو الحقيقة ، ودعوى الزيادة دعوى مجاز ومعلوم ان الحقيقة أولى وقوله تعالى : « ألم تر إن الفلك تجري في البحر بنعمة الله » - لقمان 31 - قال ابن عباس الباء بمعنى من ومثله : « فاعلموا إنما أنزل بعلم الله » - هود 41 - أي من علم الله إلى أن قال : وقال النحاة : تأتي للالصاق : ومثلوه بقولك مسحت يدي بالمنديل أي لصقتها به والظاهر أنه لا يستوعبه وهو عرف الاستعمال ، ويلزم من هذا الاجماع على أنها للتبعيض انتهى وهو تحقيق جيد يطابق المذهب الحق ويشهد له صريح الحديث الصحيح المشهور المروي عن زرارة عن الباقر عليه السلام قال : قلت له : ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك وقال : يا زرارة : قاله رسول الله صلى الله عليه ونزل به الكتاب من الله تعالى لأنه قال : « فاغسلوا وجوهكم » . فعرفنا إن الوجه كله ينبغي أن يغسل ، ثم قال : « وأيديكم إلى المرافق » . فوصل اليدين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين ثم فصل بين الكلامين فقال : « وامسحوا برؤوسكم » فعرفنا حين قال برؤوسكم ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال : « وأرجلكم إلى الكعبين » . فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح على بعضها ثم فسر رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك للناس فضيعوه . الوسائل ب 23 من أبواب الوضوء ح 1 - .